Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أحسن ناس

“حواديت”.. حين يتحول المسرح إلى ذاكرة حية

هاني سامي

تبدو مسرحية حواديت للمخرج خالد جلال كأنها محاولة جادة لإعادة تعريف وظيفة المسرح في زمن تسوده السرعة والاستهلاك الفني السريع. فالعمل لا يكتفي بتقديم عرض مسرحي تقليدي قائم على حبكة درامية واحدة، بل يفتح الباب أمام مجموعة من الحكايات الصغيرة التي تتجاور وتتقاطع لتشكل في النهاية لوحة إنسانية واسعة تعكس ملامح المجتمع المصري وتناقضاته.
منذ اللحظة الأولى، يراهن خالد جلال على فكرة الحكي بوصفها جوهر المسرح الأول. فالمسرح في أصله كان مساحة للحكاية الجماعية، حيث يجتمع الناس ليستمعوا ويشاهدوا ويتأملوا. وفي حواديت يعود جلال إلى هذه الفكرة البدائية، لكنه يقدمها بروح معاصرة، عبر بناء درامي يعتمد على مشاهد قصيرة متتابعة، كل منها يحمل حكاية أو موقفًا إنسانيًا مكثفًا.


القوة الحقيقية للعرض تكمن في طاقته التمثيلية. فالممثلون، وغالبيتهم من الوجوه الشابة، يبدون وكأنهم يتحركون داخل مساحة مفتوحة من الحرية الأدائية. لا توجد شخصية تقليدية مكتملة المعالم بقدر ما توجد نماذج بشرية تتشكل أمام الجمهور لحظة بلحظة. وهذا الأسلوب يمنح العرض طزاجة ملحوظة، ويجعل كل مشهد يبدو كأنه تجربة جديدة، سواء على مستوى الأداء أو الإيقاع.


لكن هذه الحرية الأدائية ليست عشوائية، بل يقودها مخرج يمتلك خبرة طويلة في إدارة الممثلين. خالد جلال، المعروف بقدرته على اكتشاف المواهب وصقلها، ينجح هنا في خلق حالة جماعية متماسكة. فالممثلون لا يتنافسون على خطف الانتباه بقدر ما يعملون كفرقة واحدة تسعى إلى بناء العرض ككل. هذه الروح الجماعية تمنح المسرحية طابعًا احتفاليًا واضحًا، حيث يبدو المسرح وكأنه مساحة للعب والتجريب أكثر منه منصة للعرض فقط.


على مستوى الشكل، يعتمد العرض على بساطة مقصودة في الديكور والسينوغرافيا. فالمكان المسرحي لا يفرض نفسه بوصفه عنصرًا بصريًا مهيمنًا، بل يترك المساحة الأساسية للممثلين والحكايات التي يقدمونها. هذه البساطة تمنح العرض مرونة كبيرة في الانتقال بين المشاهد، لكنها في الوقت نفسه قد تجعل بعض اللحظات البصرية أقل ثراءً مما يمكن أن تكون عليه.
أما من ناحية النص أو البناء الدرامي، فإن فكرة “الحواديت” نفسها تحمل سلاحًا ذا حدين. فمن جهة تمنح العرض تنوعًا ملحوظًا في الموضوعات والإيقاعات، لكنها من جهة أخرى قد تضعف الإحساس بوحدة العمل. فالمشاهد تبدو أحيانًا كأنها لوحات منفصلة أكثر منها أجزاء في بناء درامي واحد متماسك. ومع ذلك، فإن ما يربط هذه الحكايات معًا هو ذلك الخيط الإنساني الرفيع الذي يجعلها جميعًا تدور حول الإنسان العادي، بأحلامه الصغيرة وخيباته اليومية.


لا يمكن أيضًا تجاهل البعد التعليمي أو التدريبي في تجربة خالد جلال المسرحية. فالرجل لا يقدم عروضًا فنية فحسب، بل يواصل مشروعه الطويل في إعداد جيل جديد من الممثلين. في حواديت يظهر هذا المشروع بوضوح، حيث يتحول العرض إلى مساحة لاختبار قدرات الشباب على الأداء والغناء والحركة والارتجال.


في النهاية، قد لا تكون حواديت مسرحية تبحث عن الكمال الفني بقدر ما تسعى إلى الاحتفاء بفكرة المسرح نفسها. إنها عرض يراهن على الطاقة البشرية قبل أي شيء آخر، وعلى قدرة الحكاية البسيطة على ملامسة وجدان الجمهور. وربما لهذا السبب تبدو المسرحية أقرب إلى احتفال مسرحي حي، حيث لا يقدم الممثلون مجرد أدوار، بل يشاركون الجمهور تجربة إنسانية مشتركة.
حواديت ليست مجرد عرض مسرحي، بل تذكير بأن المسرح، في أبسط تعريفاته، هو مكان يجتمع فيه الناس ليحكوا لبعضهم البعض قصصهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock