
عبير سليمان تكتب : ارتباك النصفين
في هذا العالم السريع، لم يعد السؤال: ماذا نريد؟ بل: ماذا يُسمح لنا أن نريد؟
المرأة اليوم تُطالَب أن تكون كل شيء… ناجحة، مستقلة، جميلة، حاضرة، مُلهمة، وقادرة على أن “تشيل” الحياة نصفين؛ نصفها ونصف رجلها إن لزم الأمر.
لكن الغريب أن هذه المطالب لا تُقابل دائمًا بذات الواقعية حين يأتي دور الرجل في الاختيار.
فهو ..في كثير من الأحيان..لا يزال يحلم بامرأةٍ “مكتملة” كما تُعرض في الصور: ملامح هادئة، حضور أنيق، روح خفيفة، وقلب لا يُرهقه شيء و ( روقة ) احيانا لاشعال الحب …
ينسي ..أو يتناسى ..أن هذه المرأة نفسها، التي يريدها مُتفرغة للبهجة، هي ذاتها التي تستيقظ باكرًا لتلحق بعملٍ يُبقي الحياة ممكنة.
هنا يبدأ التناقض.
المرأة تُربّي نفسها على تحمّل ما لم يُصمَّم لها فهي ليست امراة ( سوبر ) ، والرجل أحيانًا يُربّي توقعاته على صورةٍ لم تعد موجودة.
فنلتقي في منتصف الطريق… كلٌ يحمل نسخة غير واقعية عن الآخر، ثم نتساءل: لماذا لا نرتاح؟
ليست القضية صراعًا بين رجل وامرأة، بل ارتباك أدوار في عالمٍ تغيّرت شروطه بسرعة أكبر من وعينا به.
فالمرأة لم تعد تملك رفاهية “الاختيار النقي” ، ولا متاح لها حلم فارس الأحلام ( الملزق ) باللغة ال ( Gan z ) المعاصره ،والرجل لم يتدرّب بعد على تقبّل “النسخة الجديدة” من شريكة الحياة ،لأن ببساطة تحاوطه من كل جانب مغازلة لطموحات تزرع داخله غير واقعية.
ومع ذلك… ليس كل الرجال كذلك.
هناك من فهم أن الشراكة ليست قائمة مواصفات، بل مساحة احتمال.
رجلٌ يرى في تعبها قيمة، لا عيبًا، وفي سعيها امتدادًا له، لا تهديدًا لصورته.
لكن هذا النموذج ..للأسف ..لا يُصنع بالوراثة، بل بالوعي… والوعي عملة نادرة.
في المقابل، ليست كل النساء ضحايا.
بعضهن انجرفن أيضًا نحو تسليع أنفسهن، أو استبدلن العمق بالسهولة، ظنًا أن السوق لا يطلب إلا ذلك.
وهنا تتساوى الخسارة.
نحن أمام مشهدٍ معقّد:
امرأة تحاول أن تكون كافية في عالمٍ لا يكتفي،
ورجل يحاول أن يجد راحته في صورةٍ لم تعد حقيقية… حتى وإن لم يكن ذلك “البطل الخارق” الخارج من أساطير الفارس الذي يُجيد كل شيء.
الحل ليس أن نعود للوراء، ولا أن نتهم بعضنا البعض…
بل أن نعيد تعريف ما نريده بصدق، وما نستطيع منحه بواقعية.
أن يعترف الرجل أن “الملكة” اليوم قد تعود من العمل مُرهقة،
وأن تعترف المرأة أن “الاحتواء” ليس ضعفًا، بل احتياجًا إنسانيًا متبادلًا.
في النهاية…
العلاقات لا تنهار لأننا مختلفون،
بل لأنها تُبنى على أوهامٍ لا تشبهنا.
