
«يحيا»… مفردات الضوء في مواجهة العدم .. تجربة إيمان خطاب بقاعة دروب
كتبت إسراء الموافي
ليست الرحلة هنا مسارًا جغرافيًا بقدر ما هي حالة وجودية تتبدّى عبر تحولات الشكل واللون؛ تارةً تنساب ككتلة لونية تشق المياه، وتارةً تتخفف لتصير إيقاعًا معلقًا في فضاء مفتوح. لا سؤال مباشر عن الوجهة، بل إحساس ممتد بالحركة، كأن العمل التشكيلي نفسه في حالة «صيرورة» لا تعرف الثبات. إننا أمام اشتغال بصري يستدعي القلق بوصفه طاقة، ويعيد إنتاج الأمل بوصفه ضوءًا داخليًا لا ينطفئ.

في هذا السياق، تستضيف قاعة «دروب» بالزمالك معرض «يحيا» للفنانة إيمان خطاب، في تجربتها الفردية الثانية، والتي تمتد على مدار خمسة عشر يومًا ابتداءً من 5 أبريل، وتضم نحو 45 عملًا تتنوع بين الخامات والتقنيات، في محاولة لتفكيك العلاقة بين المادة والروح داخل العمل الفني.
تُنجز خطاب تحولًا لافتًا على مستوى الوسيط، إذ تنتقل من كثافة الزيت والأكريليك إلى شفافية الألوان المائية و«الأكولين»، بما يتيح بناء طبقات بصرية أكثر خفة وانسيابًا، حيث تتجاور المساحات اللونية في علاقات توازن دقيقة بين الامتلاء والفراغ. هذا التحول لا يبدو تقنيًا فحسب، بل هو اختيار جمالي يعكس رغبة في تفكيك الكتلة الصلبة لصالح أثر بصري أكثر سيولة واهتزازًا، باستثناء عملين بورتريه يحافظان على وسيط الزيت كحضور تقليدي داخل السياق العام.
تنشغل التجربة بثنائية الحياة والموت، لا باعتبارهما نقيضين حادّين، بل كحركتين دائمتين داخل بنية واحدة. يظهر النبات والشجر كعلامات أيقونية للحياة، لا في دلالتها المباشرة، بل كـ«موتيف» بصري يعيد إنتاج فكرة النمو والمقاومة. هنا، يتقدم اللون الأخضر بوصفه بؤرة دلالية، في صراع بصري مع مناطق الأبيض والأسود، حيث يتأسس التوتر بين الضوء والظل كآلية لبناء المعنى، لا مجرد عنصر تشكيلي.
تُدير إيمان خطاب هذا التوتر بوعي نقدي واضح، مستفيدة من خلفيتها كناقدة فنية، لتصوغ خطابًا بصريًا يتجاوز الزخرف إلى مساءلة الوجود ذاته. فالأعمال لا تُقدّم إجابات بقدر ما تفتح احتمالات؛ تترك المشاهد داخل مساحة تأملية، حيث يظل السؤال قائمًا، وتظل «الحياة»—كما يقترح عنوان المعرض—فعلًا مستمرًا للمقاومة.
إيمان خطاب فنانة تشكيلية وناقدة فنية، وعضو الجمعية المصرية للكاريكاتير، شاركت في عدد من المعارض داخل مصر وخارجها، وتواصل عبر «يحيا» ترسيخ مشروعها البصري القائم على التوتر بين الهشاشة والقوة، وبين الفناء وإرادة البقا


