
نيرمين فاخر تكتب : شم النسيم.. حين تتفتح الحياة في ذاكرة المصريين
يأتي شم النسيم كل عام كأنه رسالة قديمة تعود من عمق التاريخ لتذكر الناس بأن الحياة قادرة دائمًا على التجدد، وأن الربيع ليس مجرد فصل عابر، بل حالة من البهجة الممتدة في الوجدان المصري منذ آلاف السنين. هو يوم تتفتح فيه القلوب قبل الأزهار، وتستعيد فيه الطبيعة ملامحها المضيئة بعد طول انتظار.
يرجع أصل هذا الاحتفال إلى الحضارة المصرية القديمة، حيث كان المصريون ينظرون إلى الربيع باعتباره بداية جديدة لدورة الحياة، ورمزًا للبعث والنماء. ومنذ ذلك الوقت ارتبط هذا اليوم بالخروج إلى الطبيعة، والتأمل في الجمال الذي يحيط بالإنسان، خاصة على ضفاف نهر النيل في مصر، حيث كانت المياه والحقول تمنح الناس إحساسًا بالطمأنينة والامتنان للحياة.
ومع مرور الزمن، ظل هذا اليوم حاضرًا في وجدان المصريين رغم تغيّر العصور واختلاف الثقافات، حتى أصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الشعبية في مصر. لم يعد مرتبطًا بطقس ديني أو تاريخ محدد، بل تحول إلى مناسبة إنسانية جامعة، يحتفل بها الجميع دون استثناء، في مشهد يعكس روح التعايش والمحبة.
وفي العصر الحديث، تظل مظاهر الاحتفال بسيطة لكنها مليئة بالدفء؛ فالعائلات تتجمع في الحدائق والمتنزهات، والأطفال يلونون البيض في رمزية جميلة للحياة الجديدة، بينما تحضر الأطعمة التقليدية على المائدة كجزء من طقس متوارث يربط الماضي بالحاضر.
وفي المدن الكبرى مثل القاهرة، يتحول اليوم إلى لوحة إنسانية نابضة، تختلط فيها الضحكات بالألوان، وتصبح الشوارع والحدائق مساحة مفتوحة للفرح الجماعي.
شم النسيم ليس مجرد عطلة، بل هو ذاكرة حيّة تعيش في تفاصيل المصريين، واحتفال ناعم بالحياة نفسها. إنه اليوم الذي يذكّر الجميع بأن البدايات الجميلة لا تموت، وأن في كل ربيع فرصة جديدة لننظر إلى العالم بعين أكثر خفة وبهجة وأمل.
