
نيرمين فاخر تكتب : حين يتكلم الصمت
اكتب عن وجعٍ لا يُرى،عن الخذلان حين يصبح أثقل من القلب،
وأقسى من احتماله.
الخذلان ليس مجرد موقف عابر،
بل شرخٌ داخلي،
يُسقط الإنسان من عيني نفسه قبل أن يُسقطه من عيون الآخرين.
هو تلك اللحظة التي يسأل فيها المرء:
ما قيمتي؟
وهل كنت يومًا جديرًا بالحب؟
حين يأتي الخذلان من الأقرب،
من يدٍ كنا نظنها الأمان،
يتحول العالم إلى مكان بارد،
وتصبح الروح غريبة في جسدها.
فيبدأ الانسحاب…
هدوءٌ ليس راحة، بل هروب،
وصمتٌ ليس سلامًا، بل امتلاء بما لا يُقال.
تتراكم الخيبات،
وتتسع الفجوة بين القلب والحياة،
حتى يصبح البقاء نفسه عبئًا.
وفي زاوية موجعة من هذا العالم،
كانت هناك روح تُنادي ولا يُسمع نداؤها،
تكتب ألمها على الهواء،
كأنها تطرق باب الرحمة الأخير.
حكت عن وجعٍ تكدّس ببطء،
عن خذلانٍ من وجوهٍ كانت يومًا وطنًا،
عن قسوة كلمات،
وعن حياةٍ ضاقت حتى لم تعد تتسع لنفسها.
وقالت في لحظة انكسار صافية:
“حسبنا الله ونعم الوكيل…”
كأنها تُسلّم ما لم يعد يُحتمل،
وتركت خلفها رجاءً بسيطًا،
أمًّا في جملة:
“خلّوا بالكم من أولادي.”
ليست الحكاية حكاية واحدة،
بل وجوهٌ كثيرة لوجعٍ واحد،
تتكرر بصمت،
وتُعلن عن نفسها أحيانًا بصراخٍ لا يُحتمل.
فالانتحار ليس لحظة،
بل طريق طويل من الألم غير المرئي،
رحلة من الصبر المُنهك،
ومن محاولات النجاة التي لم يلتفت لها أحد.
ورغم كل هذا،
لا تزال هناك نافذة صغيرة للنور،
يقول من خلالها العالم:
إن النجاة ممكنة…
وإن اليد التي تُمدّ في الوقت المناسب
قد تُعيد إنسانًا إلى الحياة.
أن يكون لك “شخص أمان”،
قلبٌ يسمعك دون حكم،
وصوتٌ يحتويك دون أن يُقاطع وجعك،
قد يكون الفارق بين السقوط… والنجاة.
الدعم ليس رفاهية،
بل طوق نجاة،
والاعتراف بالألم ليس ضعفًا،
بل أول الطريق للشفاء.
أغلق أبواب الاستنزاف،
خفّف عن روحك ما استطعت،
ولا تسمح لكلمات الآخرين
أن تُعرّفك أو تُقزّمك.
فالسلام النفسي
ليس غياب الألم،
بل القدرة على العيش معه
دون أن يُطفئك.
إلى كل قلبٍ مُثقل،
إلى كل روحٍ خذلها الطريق:
وجعك حقيقي… نعم،
لكن قيمتك لا يحددها أحد.
أنت تستحق الحياة،
تستحق الفرح،
تستحق حبًا يبدأ منك…
ويعود إليك.
