
د. جيهان زكي.. الوزيرة التي أعادت الثقافة والإبداع إلى الشارع المصري

هانى سامى
في لحظة بدا فيها المشهد الثقافي المصري بحاجة حقيقية إلى روح جديدة قادرة على استعادة بريق القوة الناعمة المصرية جاءت الدكتورة جيهان زكي لتقدم نموذجا مختلفا في إدارة الملف الثقافي يقوم على الحركة والانفتاح والنزول إلى الناس بدلا من الاكتفاء بالمكاتب والاجتماعات الرسمية. فمنذ توليها مسؤولية وزارة الثقافة ظهرت ملامح رؤية واضحة تسعى إلى إعادة الثقافة إلى موقعها الطبيعي داخل الشارع المصري باعتبارها جزءا من الحياة اليومية للمواطن وليست نشاطا نخبويا معزولا عن المجتمع.

الدكتورة جيهان زكي لم تدخل الوزارة بعقلية الموظف الإداري التقليدي بل بعقلية الباحثة والمثقفة التي تدرك جيدا قيمة الفن في تشكيل الوعي الوطني وتعزيز الهوية المصرية ومواجهة التطرف والانغلاق. ولذلك لم يكن مستغربا أن تشهد الفترة الأخيرة حالة من الحراك الثقافي الملحوظ أعادت إلى الأذهان زمن ازدهار الثقافة الجماهيرية عندما كانت الفنون حاضرة في الشارع والمدرسة والقرية والمسرح والساحات العامة.
ومن أبرز النماذج التي عكست هذه الرؤية مبادرة “شارع الفن” التي تحولت إلى واحدة من أكثر الفعاليات الثقافية جذبا للجمهور. فقد نجحت المبادرة في إعادة الروح إلى قلب القاهرة التاريخية عبر تحويل الشوارع والميادين إلى مساحات مفتوحة للموسيقى والعروض المسرحية والفنون التشكيلية والاستعراضات الشعبية وورش الأطفال. ولم تعد الثقافة هنا مرتبطة بقاعات مغلقة أو دعوات خاصة بل أصبحت قريبة من الناس الذين تفاعلوا مع الفعاليات بصورة لافتة عكست تعطش الشارع المصري للفن الحقيقي.
النجاح الكبير لمبادرة “شارع الفن” لم يكن فقط في كثافة الحضور الجماهيري وإنما في الرسالة التي حملتها وهي أن الثقافة يمكن أن تصل إلى الجميع دون حواجز طبقية أو جغرافية. وقد رأى كثير من المتابعين أن هذه المبادرة أعادت إحياء فكرة الثقافة الجماهيرية التي طالما كانت أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية في العالم العربي.
وفي السياق نفسه جاءت خطة تطوير قصور الثقافة لتؤكد أن الوزيرة لا تنظر إلى الثقافة باعتبارها فعاليات موسمية وإنما باعتبارها مشروعا طويل الأمد. فقد تم الإعلان عن تطوير عشرات المواقع الثقافية في مختلف المحافظات ضمن خطة تستهدف تحويل قصور الثقافة إلى مراكز حقيقية لاكتشاف المواهب ورعاية الفنانين الشباب وتقديم الأنشطة الفنية والمسرحية والموسيقية بشكل مستمر.
واللافت أن هذه الجهود لم تتركز في العاصمة فقط بل امتدت إلى المحافظات الحدودية والصعيد والمناطق الريفية التي عانت لسنوات طويلة من ضعف الخدمات الثقافية. وهو ما يعكس إيمانا واضحا من الدكتورة جيهان زكي بأن العدالة الثقافية لا تقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال العدالة الاجتماعية وأن المواطن في أسوان أو مطروح أو شمال سيناء من حقه أن يحصل على الخدمة الثقافية بنفس الجودة التي يحصل عليها المواطن في القاهرة.
ومن بين المشروعات التي حققت صدى واسعا أيضا مشروع “سينما الشعب” الذي أعاد الحياة إلى فكرة السينما الجماهيرية بأسعار رمزية تسمح للأسر والشباب بالاستمتاع بالأفلام الحديثة داخل مواقع وزارة الثقافة. وقد نجح المشروع في استقطاب أعداد كبيرة من الجمهور في المحافظات المختلفة بعد سنوات طويلة اختفت خلالها دور العرض من مدن عديدة.
ويحسب للوزيرة أنها لم تتعامل مع المشروع باعتباره نشاطا ترفيهيا فقط بل باعتباره وسيلة لاستعادة العلاقة بين المواطن المصري والفن الراقي. كما جاء قرار التوسع في المشروع ووصوله إلى محافظة أسوان ليؤكد وجود رؤية حقيقية تهدف إلى تعميم التجربة وعدم حصرها في نطاق جغرافي محدود.
كما أولت الدكتورة جيهان زكي اهتماما واضحا بالبنية التحتية الثقافية حيث تابعت بنفسها عمليات تطوير عدد من المسارح والمراكز الثقافية المهمة وعلى رأسها قصر ثقافة أسوان وقصر ثقافة العقاد إلى جانب عدد من المواقع التي تمثل ركيزة أساسية للحياة الفنية في المحافظات. وخلال جولاتها الميدانية المتكررة أكدت أن هذه المؤسسات يجب ألا تكون مجرد مبان حكومية بل منصات حقيقية للإبداع واكتشاف المواهب وخدمة المجتمع المحلي.
ومن النقاط التي تحسب أيضا للوزيرة اهتمامها الواضح بالشباب والمواهب الجديدة. فقد شهدت الفترة الأخيرة توسعا في الورش الفنية والأنشطة التدريبية والمسابقات الثقافية التي تستهدف اكتشاف جيل جديد من الفنانين والمبدعين في مجالات المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والكتابة والإبداع الرقمي. وهو توجه مهم يعكس فهما عميقا لحقيقة أن مستقبل الثقافة المصرية يبدأ من دعم الأجيال الجديدة ومنحها الفرصة للتعبير عن نفسها.
كذلك أعادت الوزارة في عهدها الاهتمام بالفنون الشعبية والتراث المصري باعتبارهما جزءا أصيلا من الهوية الوطنية. وشهدت العديد من الفعاليات حضورا قويا لفرق الفنون الشعبية والاستعراضات التراثية التي تعكس التنوع الثقافي المصري من النوبة إلى سيناء ومن الدلتا إلى الصعيد.
وربما يكون أهم ما يميز تجربة الدكتورة جيهان زكي حتى الآن أنها أعادت الثقة في قدرة الثقافة على التأثير الحقيقي داخل المجتمع. فلم تعد الثقافة في عهدها مجرد ملف إداري أو نشاط بروتوكولي بل تحولت إلى مشروع وطني يسعى إلى بناء الإنسان المصري وتعزيز الانتماء الوطني واستعادة دور مصر الثقافي عربيا وإقليميا.
صحيح التحديات التي تواجه الملف الثقافي كبيرة ومعقدة لكن ما تحقق خلال الفترة الأخيرة يؤكد أن هناك إرادة حقيقية لإعادة الفن والإبداع إلى قلب المجتمع. وبين شارع الفن وسينما الشعب وخطط تطوير قصور الثقافة والاهتمام بالشباب والفعاليات الجماهيرية تبدو وزارة الثقافة وكأنها تستعيد تدريجيا دورها التاريخي كجسر يربط بين الإبداع والناس.
ولهذا يمكن القول إن الدكتورة جيهان زكي لا تدير وزارة الثقافة فقط بل تقود محاولة جادة لإعادة الروح إلى المشهد الثقافي المصري وإعادة الفن إلى الشارع والناس الذين صنع من أجلهم منذ البداية.
